الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
368
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام . ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة بخلاف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به ، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله : « فإن الشيطان لا يتمثل بي » فالأولى أن ننزه رؤياه ، وكذا رؤيا شيء منه ، أو مما ينسب إليه عن ذلك ، فإنه أبلغ في الحرمة ، وأليق بالعصمة ، كما عصم من الشيطان في يقظته ، فالصحيح في تأويل هذا الحديث : أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا ، بل هي حق في نفسها ، ولو رؤى على غير صورته ، فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان ، بل هو من قبل اللّه ، وهذا قول القاضي أبى بكر الطيب وغيره . ويؤيده قوله : « فقد رأى الحق » أشار إليه القرطبي . وقال ابن بطال : قوله : « فسيرانى في اليقظة » يريد تصديق تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق ، وليس المراد أنه يراه في الآخرة ، لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة جميع أمته ، من رآه في النوم ومن لم يره . وقال المازري : إن كان المحفوظ « فكأنما رآني في اليقظة » فمعناه ظاهر ، وإن كان المحفوظ « فسيرانى في اليقظة » احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن لم يهاجر إليه ، فإنه إذ رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة ، وأوحى اللّه بذلك إليه - صلى اللّه عليه وسلم - . وقيل معناه : سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها . وأجاب القاضي عياض : باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها ، ووصف عليها ، موجبة لتكرمته في الآخرة ، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه ، أو الشفاعة له ، بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات . قال : ولا يبعد أن يعاقب اللّه بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - مدة . وحمله ابن أبي جمرة على محمل آخر ، فذكر عن ابن عباس أو غيره ، أنه رأى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في النوم ، فبقى بعد اليقظة متفكرا في هذا الحديث ،